بقلم: عبد الحليم يعقوب
قبل أن يندفع النادي الوصيف وراء مستشاريه في قفزة انتحارية نحو المحكمة الدستورية، لا بد من تفكيك الوهم السائد بوضوح وعقلانية. يظن البعض أن الجنسية السيادية تمنح حاملها تلقائياً صك العبور الرياضي المطلق، لكن الحقيقة الصادمة تكمن في صراع المساحات بين السيادة الوطنية والسيادة الرياضية. بينما تمتلك الدولة الحق المطلق والسيادي في منح جنسيتها لمن تراه مناسباً وفق قوانينها، تظل اللوائح الرياضية والضوابط الفنية حكراً حصرياً على الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). هذا التداخل يفرض حدوداً واضحة، حيث تنتصر قوانين الدولة في الملفات الجنائية والمالية فقط، بينما تقف مشلولة تماماً أمام سلطة الفيفا الفنية التي تلزم الجميع بضوابطها، وإلا كان المصير الحتمي هو خسارة المباريات وتلقي العقوبات الدولية القاسية.
جدار المادة 38.. كيف حسم الاتحاد فوضى "التجنيس السياسي"؟
لقد مرت التشريعات الرياضية السودانية برحلة طويلة من التطور، متأرجحة بين منع الأجانب تارة وتقييد أعدادهم تارة أخرى، حتى استقرت أخيراً على صياغة حازمة تهدف لحماية الهوية الكروية للبلاد. تمثلت هذه الصياغة في المادة (38) من لائحة أوضاع وانتقالات اللاعبين التي وضعت حداً صارماً لظاهرة التجنيس الرياضي السياسي الذي يخدم مصالح أندية ضيقة على حساب المنتخب القومي. هذه المادة لا تمنع اللاعب من ممارسة كرة القدم كشخص مجنس، ولكنها تنزع عنه "الهوية الرياضية السودانية" ما لم يستوفِ المعايير الفنية الصارمة التي حددتها الفيفا لتمثيل المنتخبات الوطنية، مما يجعلها درعاً فنية متطابقة تماماً مع المعايير الدولية ولا مجال للالتفاف عليها.
مغالطة الماضي وسقوط حجة سابقة 2008
يستند قانونيو الوصيف في حماسهم الراهن إلى قرار المحكمة الدستورية في موسم 2008، متناسين أن الفارق التشريعي بين الحقبتين كفيل بإحباط أي محاولة للقياس أو إسقاط الماضي على الحاضر. في تلك الحقبة البعيدة، قضت الدستورية ببطلان قرار تقييد عدد المجنسين بناءً على حقوق المواطنة لأن اللائحة وقتها كانت تمنع اللاعب قانونياً من المشاركة. أما اليوم، فقد تغير المشهد تماماً، حيث لم يعد الاتحاد السوداني يمنع المجنس من اللعب بناءً على جنسيته السياسية، بل اعتمد معياراً رياضياً خالصاً مستنداً لتعريف الفيفا للاعب الوطني. إن المحكمة الدستورية لا تملك، ولن تملك أبداً، القدرة على إلزام الفيفا بهوية رياضية لا تعترف بها، وبالتالي لا تملك إجبار الاتحاد المحلي على تسجيل لاعب لا يستوفي شروط الهوية الرياضية المعتمدة دولياً.
شبح التجميد.. لوزان هي الحل والدستورية طريق الهلاك
إن مغامرة الذهاب إلى المحكمة الدستورية في الوقت الراهن لا تعني فقط خسارة القضية، بل تمثل تذكرة مجانية للدخول في نفق العقوبات وتجميد النشاط بالكامل. بعد التحديثات التشريعية الشاملة التي طرأت على المنظومة الرياضية بعد عام 2017، باتت المادة (13) مقروءة مع المواد (75) و(76) من النظام الأساسي للاتحاد السوداني، تحظر تماماً اللجوء إلى القضاء المدني بجميع درجاته وتخصصاته. تفرض هذه القوانين الصارمة سلوك القضاء الرياضي الحصري عبر لجان الاتحاد ومحكمة التحكيم الرياضي (كاس) في لوزان. وأي تجاوز لهذا المسار يعتبر خرقاً فادحاً لالتزامات العضوية، يستوجب تلقائياً تجميد نشاط النادي وإسقاط عضويته، ليتحول الوهم القانوني إلى رصاصة رحمة يطلقها الوصيف على نفسه.
خاتمة الحكاية
إن من يظن أن المادة (38) تخالف الدستور، فعليه أن يسلك الطرق الرياضية الشرعية لإثبات دعواه أو السعي لتعديلها عبر القنوات الرسمية، أما التهديد بالدستورية فهو ليس أكثر من قفزة انتحارية في الظلام لن تلغي خرقاً تم ارتكابه مسبقاً، بل ستجلب عقاباً ينهي الموسم قبل أن يبدأ.
مصدر هذا الخبر هو موقع www.fjajsport.com
